وللتحليل النفسي حقائق لا يُمكن أن تُدرك إلا بالوُلوجِ إلى أنماطٍ مُتعددة من الذهان، جدلية الخوض في الموت والمرض، الشبق والتَدمير، ديالكتيك الداخل والخارج، لذلك عليك أن تَجرح نفسك أولًا، أن يُزلزلك إعصار المُستحيل والوقتِ والفعالية والطفولة والنرجسية وكل أنواع القلق والحّصر، حتى تغدو قادرًا على الفهمِ بعمقٍ يَدرُك.
لـو سالومي وكأول محللة نفسية بارعة تركت نفسها تَغرق في حصر أمومةٍ مُستحيلة، وسدت ثغرات هذا الحصر العُصابي بالتأويل والتفسير: «جَنينٌ في ذاتي، سيكون هذا كعَنكبوتٍ تَلتَهمُ كُل الباطن، ولا تَستطيع الخروج إلا بِقَتلي.»
بعد الخوض في هذا الموت، يجبُ أنّ تتعلم جيدًا احكام غلقِ القشرة على الجُرح، خشية الخروق المُخادعة للذكريات والرغبات والأحلام، والذنب المُعاش على أثرِ لذة. ولكن ما الذي سوف يُحدثهُ تحرير المكبوت لمُحللة نفسية؟ الشروع في خدشِ الغلاف الرقيق للأنا، المُغلق جيدًا على الأنا العُليا؟
وغاية ما أُريد في هذهِ الأسطر القليلة التالية هو أنّ استلفت الأذهان إلى موضوعٍ قلَّ عدد المُفكرين فيه، لا أنّ أضع بحثًا يوفي الكلام بشأنِ هذهِ المرأة ومكانتها في الوجود الإنساني، وهوَّ النزعة الشبقية والتدميرية معًا في جانب سالومي التحليلي.
وسوف يكون خالصًا لها، دونَّ مُحاولة التَطرق لأسماءٍ لم تُذكر سالومي يومًا دونَّ أنّ تكون مُلحقة بها ومُلازمة لها.
الرغبة غير المُشَبعة كتَمثيل شاخص لنَقصِ الأنا
في التحليل النفسي أنَّ جوهر الإنسان هوُّ إنسان راغب، فلا معنى للوجود دونَّ اقحام الرغبة، وأنَّ مُحاولة النظر في تجويفِ الرغبة الخالصة؛ سوف يكشف عدم رضى الأنا الراغبة دومًا، وهذا ما كانت تُعانيه سالومي، مرأة منفية في وجودها الخاص، نتاج استيهامات الرغبة غير المُشبعة جوهريًا، وتؤسس هذهِ الجوهرية الأنثوي بصفتهِ مُمثل الآخر، الذي ليس قادرًا على تمثيلِ نفسه.
استيهام يملئ العالم الداخلي بأشياءٍ غير حاضرة، ألاعيب خيالية، خسائر وجدانية، ذلك لأن المرأة دومًا مُمثل شاخص لنقصِ الأنا. ورغم ادراكها لتلك الحقيقة لم تجعل سالومي من عَوز الرغبة وثقل المَعرفة والسعي المحتوم للمثالية أنّ يعوق حريتها الفردية من تحقيقِ ذاتها.
تركزت حول ذاتها من دون شفقةٍ تجاه أحد، وتميزت بفردانية متأصلة ونرجسية أوصلتها للخلقِ والإنشاء.
رفضت أن ترى محدودية نفسها، وانفصالها عن محيطها. بالنسبة لسالومي، كان الغرض من الإيروس الأنثوي هو نشر الذات، وتوسيع حدود الذات الحقيقية.
وهذا يعني أن الحب لا يفترض، تحول الليبيدو نحو الموضوع، بل الاستيلاء على الموضوع من خلال الإيروس النرجسي. في رأي سالومي: أنّ ذلك ضرورة “للتخلص من فائض الحب – الحب الذي نمتلكه لأنفسنا، وغير القادرين على إيجاد منفذ له.”
ويتجسد شبق سالومي تجاه الإيروس والمعرفة في محطاتِ حياتها العاطفية والفكرية بشكلٍ جليّ وتُبين ذلك بقولها: «أننا كلما شحذنا وعينا ليصير أكثر حدة، ينمو في المقابل خصم مساوٍ له في القوة، مضاد في الاتجاه، وكأننا إزاء شخص آخر، وهذا يصدق بالمثل على طبيعة أجسامنا التي تكره أنّ يتم الحط من قيمتها لمصلحةِ شيء آخر.»
كانت جميع أنواع التفكير الميتافيزيقي الموغلة في القدم أفضل منا حالًا في هذه النقطة؛ إذ لم يكن عنصرا الروح والمادة خاضعين لسلطان الوعي بشكلٍ مطلق، بل كانا يتراوحان بين قطبي الوعي واللاوعي، تمامًا مثلما هوَّ الحال عند الأطفال.
ولكن يتضمن السعي الشبقي المَحموم ثُنائية خطيرة تَبزغ مُعلنة وجودها المتأصل داخل كل شبقية مُرَّوحنة: ثُنائية الخَلق والتَدمير!
كتبت سالومي: “أنَّ في أحوالٍ نادرة للغاية تفلح هذهِ المشاعر البكر الصافية في مواصلة طريقها من دون تحطم، حتى تصل إلى مرحلة النضج التام، المفارقة أن “الإيروس” يخلقُ في البشر أشد المشاعر ندرة وأشدها روعة في الوقت ذاته. خلاصة كلامي أن الطرف الآخر في علاقة الحب، يبقى مُجرد مرآة شفافة رائقة تلبي رغباتنا الدفينة”.
وتحققت سالومي من ذلك بذاتها، ففي جوهر الإيروس تكمنُ ميزة الهيمنة التّامة على عقلِ وجسد الأخر وبذلك يسهل تدميره أو على الأقل الاِستيلاء على ضعفه واِمتصاص وجوده. ودَفعها ذلك للاِعتراف: «ومِن هُنا لابد لي من الاعتراف أني لم أوفق على مدارِ حياتي لإحراز النجاح الذي رُبما صادفه غيري في نمط من الأنماط الثلاثة التي تكتمل أو تتجسد بها علاقة الحب، وأقصد بها (رابطة الزواج، ورابطة الأمومة والرابطة الإيروسية الخالصة). لكني لا أرى ضيرًا في ذلك على الإطلاق
ما دمنا نحاول فهم مغزى حياتنا الماضية وحياتنا الحاضرة، وما دمنا نسعى بقوة لننجز عملنا وإبداعنا حتى الرمقِ الأخير من حياتنا.»
أما أنا فكنت أفتقرُ إلى صفةٍ جوهرية، أو بالأحرى أقول: إني ابتليتُ بمعرفةٍ هائلة تفوقُ طاقتي، شيء أشبه بحكمةٍ موغلةٍ في القدمِ وَسمت مزاجي وشخصيتي بوسمٍ أبدي.
كانت هذهِ الحكمة مثلَّ جلمود صخرٍ هائل مُستقر أسفل قدمي، لكنهُ، برغمِ ذلك، لا يمنعني مِن مواصلةِ السّير إلى الأمام وكأني أمشي فوق الطحالبِ والزهور.»
حالة مُكاشفة بين الكائن ومرآته
وفقًا لسالومي، لم يرى نرجس صورته المعكوسة بالمرآة فحسب، بل رأى وحدة هذهِ الصورة في محيطهِ الطبيعي: يمكن للمرء أن يقول في الواقع إنه رأى غياب صورتهِ الخاصة. وشددت على أن نرجس لم ينظر إلى نفسه في المرآة فحسب، بل في “مرآة الطبيعة”، وبالتالي لم يرى انعكاس صورته فحسب، بل رأى “نفسه ككل”. طرحت لو سالومي السؤال، الذي كان في جوهره بمثابة حُجّة لصالح النرجسي التوفيقي، إذا جاز التعبير: لو أنه رأى صورته فقط، ألم يكن ليهرب حينها، بدلاً من أن يبقى مشلولاً أمامها؟ “ألا تُسكب الكآبة مثل سحرٍ على وجهه؟”
بالنسبة لسالومي، كانت المرأة نرجسية بطبيعتها، وهنا يكمن كمالها وقيمتها الهائلة الكاملة. لقد أسست نظرة جديدة للمرأة، باعتبارها كائنًا مستقلاً ومكتفيًا ذاتيًا. في مقالها “توجهان للنرجسية” (1921)، كتبت أن النساء طورن اكتفاءً ذاتيًا خاصًا، مما سمح لهن بالتعويض عن القيود الاجتماعية في اختيار شيء ما. وهكذا كانت وظيفة النرجسية وقائية. ويمكن القول أن مؤسس التحليل النفسي كان متفقًا مع سالومي في هذه النقطة: المرأة تحافظ على نرجسيتها، بينما الرجل يفقدها ويشعر دائمًا بالحنينِ إليها.
وشددت سالومي على أن المرأة تحتاج إلى أن تكون مُعشوقة بقوةٍ أكبر من أن تُحِب.
ويكمن سحر الطفل في التحليل النفسي داخل النرجسية والاكتفاء الذاتي وعدم إمكانية الوصول، تمامًا مثل سحر الحيوانات المختلفة، مثل القطط والحيوانات الجارحة، التي تبدو غير متأثرة تمامًا باهتمامنا بها. تعبر سالومي عن تلك النرجسية في خضم اندفاعتها نحو التجربة التي لا يكون فيها النرجسي تواقًا للخبرة بل للتجربة بذاتها حيث يغرق المرء داخل ذاته.

مثلَ جرحٍ ينفتحُ مجدَّدًا ويلدُ الموت
الغريزة القاهرة تُعلل مَحاسن النساء كما تُعلل نقائصهن، فتُمهد لهن العُذر بين يدي الطبيعة وأنّ لم تُمهدهُ لهن بين يدي القانون والأخلاق، ومن بين أسمى فضائل الإنسان هي التضحية. وهي فضيلة لا يَقدم عليها المرء كل يوم ولا يقدمُ عليها بغيرِ دافعٍ شديد من وحي الفطرة أو مِن وحي الضمير، والمرأة أقربُ من الرجل إلى التضحية بوظائفها النوعية لأنها تستمد تضحياتها مِن غرائز الأمومة، لم تُقدم سالومي على هذا النوع من التضحيات كي تُنقذ نفسها من حصّر الأمومة المُستحيلة، وتُمارس الخلق في سعادةِ أنّ تكون أُمًا قبل التوقف الشامل للأنوثةِ بانغلاق مغارة الاِخصاب. هُنا قد عانقت التناقضات بصدرٍ رحب
ونستبين ذلك بقولها:
“ولكن أن يفسح الإنسان صدره لاستقبال هذهِ المتناقضات معناه أنّ تزداد حياته ثراء وصعوبة في آن واحد؛ حيث يجني ثراء بفضلِ التجارب، ويكابد صعوبة في سقوطه فريسة الصراع بين القدرات والحاجات. ولو قُدر لإنسانٍ أن يولد في معترك هذه المتناقضات، فعليه أن يعلم أنّ مواهبه
ومزاياه ستأخذُ بالشمال ما أعطته إياه باليمين، وأنها ستنتقم منه، وهو ما يصنع في المحصلة السمة المميزة لشخصيتهِ ككل.”
