“إن السَيروات النَفسية بموجبِ أولى مُقَدمتي التحليل النفسي المُثيرتين للاستِهجان، هي فيّ جَوهرها لاشعورية؛ وأما الشعورية منها فلا تَعدو أن تَكون أفعالًا مُنعزلة، شذرات مِن الحياةِ النفسية الشاملة.”

— مقدمة إِحْدَى المحاضرات التيّ ألقاها فرويد اِرتجَالًا في عام ١٩١٥ تحت عنوان مَدخل إلى التحليل النفسي.

تكرس التحليل النفسي بمثابةِ أحد النماذج المعرفية الكبرى في العلوم الإنسانية فيّ القرن العشرين: وكما هو الحال بالنسبة إلى نموذج أو براديغم معرفي كبير، أحدث التحليل النفسي ثورة کبری في فهمنا للنفسِ البشرية وتجلياتها العقلية والعاطفية والسلوكية بحيث أصبحت النظرة إلى الإنسان بعدها، مختلفة جذريًا عما قبلها.

ويتمثل الاكتشاف الكبير الذي يحمل معنى هذه الثورة في فهم النفس البشرية، في مفهوم رئيس يُشكل نواة هذا العلم، ألا وهو «اللاوعي». فالنفس البشرية منقسمة على ذاتها، بحيث لا يعد الوعي والتفكير الواعي القصدي سوى قمة جبل الجليد من عالم النفس بالغ العمق والغنى والتعقيد، والذي يبقى خارج الوعي والسيطرة نظرًا لما يتضمنهُ من نزوات ونزعات وميول تأنف النفس الوعي بها وتطور أساليب دفاع وتَنكر لها، إلا أن هذهِ تتجلى بشكلٍ ملتوٍ ومداور من خلال الكناية والمجاز، حيث تظهر في الأعراض النفسية المرضية وفي الأحلام، كما في الهفوات وزلات اللسان وحالاتِ النسيان التي يستهجنها صاحبها ذاته، كما تتجلى في الإنتاج الأدبي والفني بمختلف أشكاله.

وما من شك أن أحدًا من مفكري العالم في تاريخه الطويل لم يوفق في الكشف عن مجاهل النفس الإنسانية إلى مثل ما وفق إليه سيغموند فرويد واضع التحليل النفسي، الذي قضى خمسين عامًا باحثًا ودارسًا مستقصيًا مظاهر النفس الإنسانية وما تنطوي عليه من أخيلة وأفكار، مجاهدًا في نشر آرائه والدفاع عنها.

وكان أهم ما استغرق اهتمام فرويد من الناحية النظرية هو التعرف على الأسس الأولية للسلوك الإنساني، تلك الأسس الفطرية التي تسبق كل تعلم، وتنطوي عليها نفس الإنسان فتدفعه إلى الكثير مما يصدر عنه من ألوان المشاعر واشكال التفكير ومظاهر السلوك. ومن ثم كانت فكرة الغريزة واستخدام اصحاب التحليل النفسي لها فكرة اساسية لتفسير السلوك، وأي فهم لنظريات فرويد لابد أن يبدأ في الوقوف على معنى “الغريزة” عنده.

إن الغريزة عند فرويد تعبر عن قوة نفسية راسخة تصدر من صميم الكائن العضوي وتنبع من حاجات البدن، أيّ أنها ذلك الضرب من ضروب الطاقة التي تصدر عن التكوين الأساسي للإنسان، وأنها تنبع أصلًا من مقوماتهِ البيولوجية.

اعتبر فروید الإنسان منظومة طاقة. إذ تَحتاز الجملة العصبية على كمية محدودة من الطاقة تنصرف في شكل نشاط حركي أو نشاط عقلي، فالعصبونات تحتوي على مقدارٍ محدد من الطاقة (أو، بعبارة أخرى، تحتمل درجة محدودة من الإثارة). وما إن يتم تخزين كمية الحد الأقصى حتى نلفی أية زيادة عن ذلك وقد أنتجت شدة، وتوترًا، وحاجة لتصريف الطاقة في صورة الفعل.

وإذا لم تتمكن الطاقة من التحرر عبر أحد المسالك فإنها تسلك بديلًا له. وعليه قد «تتسامى» الطاقة المرتبطة بالدافع الجنسي، أو تنصرف في نشاط لا علاقة له بإرضاء الدافع الجنسي. وقد قادت هذه الفكرة فرويد إلى القبول بمذهب المُتعة «hedonism» كقانون جوهري في علم النفس. وإن تنامي بناء الطاقة في العصبونات يحدث التوتر. أما إطلاق الطاقة فينتج «المتعة».

أما بديهية فرويد الأخرى فهي أن الشعور والعقلانية-وهو ما يشكل وعينا الصريح بحالتنا-أقل دلالة مما درجنا على اعتقاده. وهذا الشعور هو، إلى حدٍ ما، راصد غیر فعال لتفاعلنا المتواصل مع البيئة، وإن أسباب سلوكنا والعمليات التي تتحكم به تتوضع تحت عتبة الشعور.

نظر فرويد إلى الانسان على أنه يخضع في تنظيمه لجملة عمليات مترابطة تدعى العقل اللاشعوري. وإن الأداء الوظيفي لهذه العمليات المخفية لهو المسؤول عن أفعالنا وشخصيتنا. وتختلف القوانين التي تحكم عمليات اللاشعور عن تلك التي تسريّ على الفكر والشعور الواعيين.

وفي هذا الصدد يقول فرويد: إن الإنسان تَعرض لجرحين نَرجسيين خلال تاريخهِ المعروف، تمثل الأول  في جرح كوبرنيك الذي أثبت أن الأرض وإنسانها ليسا مركز الكون. وتمثل ثانيهما في نظرية التطور لدى داروين الذي أثبت أن الإنسان لا يعدو كونه أحد فروع المملكة الحيوانية. وأحدث التحليل النفسي الجرح الثالث على يد فرويد، حين أثبت أن الإنسان ليس سيد أفعاله، أي أن الدوافع اللاواعية لها الدور الأكبر في تحديد هذه الأفعال، وهي تتمظهر من خلال العقلنة والتبرير. مر التحليل النفسي منذ نشأته الأولى على يد فروید، باعتباره طريقة في العلاج النفسي، بالعديد من التطورات والتحولات على صعيدي النظرية والممارسة.

وقد وجد فروید، کما وجد دارون، الكثير مما يؤيد نظريته في ميادين جديدة لم تكن ضمن الدائرة التي عمل فيها أول مرة. وقد لا يرتاح الناس إلى نظرية فروید کما لم يرتاحوا إلى نظرية دارون، ولعل الإنسان لا يمكن أن يرضى عمن يطلعه على حقيقة أصله البعيد أو القريب، وخصوصًا إذا كان هذا الأصل مما لا يفاخر به. ولكنهم يجدون في كلا النظريتين حيوية فائقة، وقدرة على الاتساع والامتداد، وعلى تناول الكثير من الظواهر المستحدثة وتفسيرها على نفس الأساس العام. فكما أن دارون وجد من علم الحفريات، وعلم التشريح، وعلم الأجنة، ومن النبات والحيوان ما يؤيد النظرة التطورية، فقد وجد فرويد في الأحلام وفلتات اللسان، وفي سلوك الأطفال والمتوحشين، وفي سيكولوجية الفن والجمال، وفي سيكولوجية الجماعات وغيرها ما استطاع تفسيره بدون أن يدخل تعديلًا على نظريته الأساسية مما زاد هذه النظرية تأييدًا وثباتًا.

وتفرعت عن مذهب فروید تيارات ومدارس عديدة قام بها الرعيل الأول من مريدي فروید وزملائه والمنشقين عنه. وهو ما أدى إلى سجالات وصراعات ومجابهات يحفل بها تاریخ التحليل النفسي، كما أن فرويد ذاته مر بعدة أطوار في تطوير ممارسته العلاجية ونظرياته، تبعًا لما كان يتكشف له في أثناء هذه الممارسة.

وقد جعل التحليل النفسي من «اللاشعور» أساسًا لتفسير الظواهر النفسية، وقد يتبادر إلى الذهن أن اللاشعور مكون من كل ما هو «منسي» من عقل الإنسان، والواقع غير ذلك؛ فهنالك نوعان من النسيان: الأول نسیان سطحي ينص على أشياء يمكن استعادتها بسهولة؛ كالآبار التي تحفر بجوار مجرى النهر مباشر فتحصل على الماء منها بلا كبير عناء. وهناك نسیان عميق لا تصل إلى عمقه إلا باستخدام وسائل خاصة، وبِبَذل مجهودًا شاق.

إن هذا التقسيم الطوبوغرافي للعقل إلى شعور وتحت شعور ولا شعور ليس إلا تقسيمًا وظيفيًا، يشبه تقسيمه إلى تذكر وتفكير وانفعال في حياتنا الشعورية، فكما أن التذكر خاصة من خصائص العقل فكذلك النسيان، وكما أن التذكر له شروطه وأنواعه فكذلك النسيان. كما جدير بالذكر أن اللاشعور لا يدرك الفواصل الزمنية، ويرى أن الماضي والحاضر شيء واحد، ولعل خيرُ مثال على ذلك ما يحدث في الأحلام من استعادة الماضي كما لو كان حاضرًا.

من الصواب أن نميز بين مرحلتين واضحتين في نظرية فرويد على أنهما تتسمان بأهمية أولية. تمتد الأولى من عام ۱۹۰۰ حتی ١٩١٤ والثانية من عام ۱۹۲۰ حتى وفاة فرويد عام ۱۹۳۹. في الفترة الأولى کان فرويد يحاول أن يفسر النواحي التي يكون فيها السلوك المكشوف والخبرة الشعورية نتاج العمليات اللاشعورية التي تمدها الغريزة بالطاقة، ويبرز كجزء مركزي في نظريتهِ رأيه بصدد الجنسية الطفلية، وفرضيته في عقدة أوديب. ففي نظريته عن الجنسية الطفيلية يُبين فرويد بأن تفجر الغريزة ينطوي على توترات فيزيائية تتركز في مراحل مختلفة من النمو الطفلي على أجزاء معينة من الجسد، أي المناطق الحساسة جنسيًا. وأولى هذه المناطق هو الفم. ويتجلى الاشباع الغريزي أثناء هذه المرحلة الفمية من النمو الفردي، التي تستمر من الولادة حتى عمر السنتين، في المص، والتغذية والاحساسات الفمية الأخرى. وعندما تبزغ الأسنان تتجلى الغرائز العدوانية في العض. أما المرحلة الثانية، من سنتين إلى ثلاث سنوات، فهي المرحلة الشرجية. إذ تتركز الغريزة على الأحاسيس الشرجية.

 أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة القضيبية التي تتركز فيها الحياة الغريزية على الأعضاء التناسلية وتدوم هذه المرحلة حتى سن الخامسة أو حتى السادسة. وبعد هذا يبقى الغريزي «كامنًا» حتى البلوغ.

وفي نهاية المرحلة القضيبية يتعرض الأطفال لأزمة نمائية، حيث تتركز بالشعور بمشاعر التحيز الجنسي الموجهة نحو الوالد من الجنس المُعاكس، فعند الذكور يرتبط الحنان تجاه الأم بمشاعر الغيرة، والكراهية، الموجهة نحو الأب، الذي يكون المنافس على حب الأم واهتمامها. وفي الآن ذاته يتقمص الولد شخصية والده الذي يكون بمثابة نموذج له، ويحبه ويعجب به. وعليه ينشأ صراع مشوش، وشديد، ومؤلم ويدعوه فروید بعقدة أوديب. وتميل الانفعالات والأفكار المتطرفة إلى أن تُكبت، لكن آثار الصراع تبقى. أما بالنسبة للفتيات فهناك شعور بالانجذاب نحو الأب ورفض الأم، إلا أنه أقل حدة، وأقل تعقيدًا، مما لدى الذكور. وإذا ما استطاع الولد الذكر الابقاء على حبه لأمه، مع تقمصهِ الشديد لوالده، بحيث تنتفي «المنافسة، وتكون علاقته مع كلا الوالدين علاقة إيجابية، مع خفض في الصراع، فإن بإمكانه، عندئذ، أن ينمو ليبلغ مبلغ الراشد الناضج. وإذا لم يحصل ذلك فإن خطرًا يكتنفه في أن يصبح شخصية عصابية عاجزة عن تبني دور ذكري ملائم. إن تقمص شخصية الوالد من نفس الجنس هو العامل الحاسم-فمن الممكن أن يتخذ صورًا شتى. فالأزمة الاوديبية هي انعطاف هام في نمو الشخصية.

كذلك اعتقد فرويد بأن الطفل قد يفشل، أثناء مراحل النمو الغريزي الثلاث في طفولته، في أن ينتقل بيسر وسلامة من طور إلى أخر يتلوه. فقد يبقى ثابتًا، مثلًا، عند المرحلة الفمية لمدة تزيد عن اللزوم. فالاشباع الذي يزيد أو يكثر عن الحد في هذه المرحلة قد يبعث على التثبيت. ويمكن أن تكون لهذا الأمر اثار دائمة. فتحت وطأة شدة من أي نوع يتعرض لها في وقت لاحق في حياته، يوجد ميل للنكوص إلى أسلوب طفلي في تلك المرحلة. ففي حال شخص تثبت بقوة عند المرحلة الفمية، قد يقوده الأمر  في عمر البلوغ إلى الشراهة في شرب الكحول، وتناول الطعام,  والتدخين. وهي آمارات الانسحاب والنكوص نحو الداخل.

في العقدين الأخيرين من حياة فرويد أدخل بعض المفهومات الجديدة تمامًا في منظومتهِ، ويبرز في الأهمية من بينها التمييز بين ثلاث أنماط مختلفة من السلوك، اطلق عليها مصطلحات الهو، والأنا، والأنا الأعلى.

الهو هو نتاج الوراثة، وهو المستوى الغريزي للاستجابة والمصدر الرئيس للطاقة العقلية، ومعني بحفظ الذات، والتكاثر، والمبادأة ضد التهديدات. وتتطلب التوترات والحاجات البدائية للهو تصريفًا في بعض أنواع النشاط -ولو كان الخيالات فقط. أما الأنا فهو تلك نشاطات في الدماغ التي تعبر عن ذاتها في الأعمال الذكية. ومهما تكن الرغبات البدائية للهو فلا بد أن تسود الواقعية. فنحن نتعلم أن نعرف، ونتقبل حقائق الوجود، وأن نكف أية دوافع تفشل في أن تكون تكيفية. وتقوم وظائف الأنا بتعديل أو كف الدوافع الأكثر بدائية، بما يتناسب والمتطلبات المعقدة للمحيط الاجتماعي. وعليه فهناك نظامان لتنظيم السلوك: الهو مع ماله من حاجات غريزية، والأنا الذي يستفيد من مهارات العقل. على أن قدرات وظيفة الأنا في التحكم بالشخص هي غير وطيدة، ومحدودة. وغالبًا ما يتصارع الهو والأنا. ولا يستطيع الأنا أن يحكم دائمًا، كما يمكن للحلول الوسط بين النزعات المتضاربة أن تتسبب في حالات تكيف متذبذبة أو غير فعالة.

يكون الأنا، في الغالب، محط تهديد الدوافع الصادرة عن الهو، وكذا الأخطار الخارجية الكامنة في المحيط. وعندما يحصل هذا يطرأ القلق. وقد عد فرويد القلق مصدرًا قويًا ومنتظمًا للألم الذي لعب دورًا أساسيًا في تنظيم الشخصية. وغدا القلق موضوعًا يتسم بأهمية مركزية أثناء هذه الفترة الأخيرة بالنسبة لفرويد. وقد أصبح مهتمًا بالطرق التي يتم بها حماية الأنا ضد القلق الحاد الناجم عن الصراع بين الدوافع المتنافسة.

أما الأنا العليا فهو تنقية لوظيفة الأنا. وهو يحدد القيم التي يقبلها الشخص نتيجة تقمص شخصية الوالدين في مرحلة الطفولة-ومن ثم تعديل هذه القيم لاحقًا على أساس الخبرة الاجتماعية. ومما يقبع في جذر قيمنا هي الانفعالات البدائية جدًا الخاصة بالخوف والذنب، والمكتسبة في مرحلة الطفولة أثناء الأزمة الأوديبية. وعليه يمكن للأنا العليا أن يكون غير عقلانية ومندفعة، كما الهو، في بعث استجابات تهدد الأنا، وبالتالي تستثير القلق ولابد لوظائف الأنا أن تضبط وتنقی دوافع الأنا العليا، وبالتالي تنتج قيمًا أخلاقية تتسم بالعقلانية والتفنن من مواد أكثر خامًا. ومن الممكن في سياق هذه العملية أن تتولد صراعات تبعث على الشدة، بقدر تلك المتولدة من منظومة الهو.

وقد كان لعبقرية فرويد الفذة، وإكبابه على العمل، ووفرة إنتاجه، ونفاذ بصره، الفضل كل الفضل في أن جعل هذا العلم يقف على قدميه؛ ذلك أن فرويد جعل من النتائج الإكلينيكية التي وصل إليها قواعد لتفسير السلوك الإنساني عامة، ولو اقتصر على اعتبارها وسائل علاجية لظل طوال حياته يعالج المرضى، أو أصبحت مدرسته مدرسة علاجية لا أكثر، والواقع أنه لو اقتصر على ذلك لما وجد المعارضة والنقد اللذين وجدهما إذ خرج بنظريته إلى المحيط الواسع لعلم النفس، بدل أن يقصرها على المحيط الضيق للعلاج.

وأصبح التحليل النفسي، أو ما يشتق منه، خير طريقة لعلاج الأمراض النفسية وبعض الأمراض العقلية، بل وطائفة من الأمراض البدنية ذات المنشأ النفسي، وأن كشوف المدرسة التحليلية عن دوافع السلوك وحيل التفكير أصبحت أهم فصول علم النفس وأخطر جوانب السيكولوجية العلمية المعاصرة، وإلى هذا أو ذاك تأثر الكثير من نواحي الثقافة الإنسانية في المسائل الاجتماعية والإنتاج الأدبي والفني بآراء فرويد تأثرًا لا حاجة بنا إلى الإطالة فيهِ أو الإشادة بمقدارهِ ومداه.