تلك هي المفارقة التي تتوارى خلف أكثر تجارب الإنسان بداهة، وتنكشف كلما ظن أنه بلغ أمان الإشباع. فما إن ترتوي الرغبة حتى تفقد موضوعها، كأنها تستمد حياتها من النقص الذي يؤججها ولم تكن تنشد الامتلاء قط، لذلك يبدو الإشباع، في لحظة اكتماله، ضربًا من الخسارة؛ إذ يبدد التوتر الذي منه وُلدت اللذة، ويطفئ الجمر الذي كانت الرغبة تتغذى من احتراقه. في هذا الأفق تقف لو سالومي بوصفها واحدة من أكثر العقول جرأة في تفكيك الإيروس بوصفه قوةً وجوديةً لا تكف عن خلق موضوعاتها ثم الإفلات منها. لقد أدركت، قبل أن يصوغ فرويد كثيرًا من مفاهيمه الكبرى، أن الرغبة لا تُهزم بالحرمان والكبت ولكن قد يقضي عليها الإشباع أيضًا. ومن هنا لم يكن الإيروس لديها طريقًا إلى السكينة، وإنما توترًا خلاقًا، يعيش من نقصه أكثر مما يعيش من امتلائه. وما سيكتشفه فرويد لاحقًا في دينامية الرغبة، وما سيمنحه جورج باتاي بعدًا أكثر راديكالية حين رأى في الإيروس تجربةً تتجاوز اللذة إلى تخوم الفقد والتجاوز، كانت سالومي قد التقطت نواته الحدسية مبكرًا؛ فالإيروس ليس اقتصادًا للإشباع، لكنه اقتصادٌ للافتقار، حتى يغدو الارتواء نفسه نفيًا للرغبة، لا تحقيقًا لها.
من هنا، فإن السؤال الذي تطرحه سالومي لا يتعلق بالجنس بقدر ما يتعلق ببنية الإنسان نفسها: هل نرغب لأننا نفتقر، أم أننا نفتقر لكي نستطيع أن نرغب؟ وبين هذين الحدين يتشكل الإيروس، بوصفه عطشًا يستمد خلوده من استحالة الارتواء.

يقول جورج باتاي:
“وما الغاية من مباشرة الإيروسيّة، إلّا بلوغ الكائن، في أعمق نقطة حميميّة، حدّ الغيبوبة؟ إن مبدأ المباشرة الإيروسيّة هو تحطيم بنية الكائن المنغلق.”
فـ”الغيبوبة” عند باتاي هي اللحظة التي تتوقف فيها الأنا عن كونها كيانًا منفصلًا ومكتفيًا بنفسه. إنها لحظة الانتهاك التي تتصدع فيها الحدود بين الذات والآخر، فيقترب الإنسان من حالة الاستمرارية التي يراها باتاي نقيضًا للعزلة الفردية. أما عند سالومي، فإن الرغبة لا تبلغ هذه الاستمرارية أبدًا. فالإيروس عندها ظمأ بنيوي، وكل ارتواء لا يلبث أن يعيد إنتاج العطش من جديد. لذلك فإن لحظة الاتحاد هي بداية افتقاد جديد، صيرورة تهدف إلى امتلاك لا سبيل إلى بلوغه، ولهذا تبقى عطشى؛ لأنها تشتهي استمرار الحركة التي يوقظها الآخر داخلها اكثر من امتلاكه. ونلاحظ، عند باتاي، يبلغ الإيروس ذروته حين تكف الذات عن أن تكون نفسها وتنصهر مع الذات الآخرى؛ أما عند سالومي، فإنه يبلغ ذروته حين تكتشف الذات نفسها من خلال الآخر، دون أن تفقد خصوصيتها. لذلك يكون العطش عندها أعمق من الإشباع، لأن الرغبة تطلب دوام الاِنفتاح على الإمكانات.
وبينت سالومي في مقالاتها الأوائل عن نرجسية الإيروس وكآبتها بوصفها قوةً ملازمة للإبداع في جوهرها، لأول مرة سنة 1900 في مقالها «تأملات في مشكلة الحب». هناك أوضحت أن الإيروس قد يكون الشرارة الأولى، غير أن اللذة التي يستمدها الكائن من ذاته هي المنبع الحقيقي للفعل الإبداعي.
كانت ترى أن النرجسية تُمثل: «أعمق منفذ يقودنا إلى ذواتنا، عزلةً تتضاعف ألف مرة. لكنها عزلة تبدو كما لو أنها مطوَّقة بألف مرآة متلألئة، فتغدو متسعة، مرتفعة إلى عالم يحتضن الكل. وليس المحبوب في هذا العالم سوى عاملٍ محفِّز لكل ذلك؛ كما لو أن صوتًا أو عبيرًا لامسك أثناء حلمٍ مضطرب في الليل، فسحرك بأن تحلم». وعلى خلاف سيغموند فرويد، كما ستكتب في «يوميات فرويد» عام 1913، ظلّت سالومي تدافع عن هذا الوجه من النرجسية بوصفه طاقةً نفسية حدسية، ضاربة الجذور في الحياة، ومؤكِّدة لها، ترافق جميع مستويات الخبرة التي يدرك فيها الإنسان انعكاس ذاته داخل كُلٍّ طبيعي أوسع، غير متمايز.
«إنّ المجازفة في الإيروسيّة تستهدف دائمًا انصهارًا أو تذويبًا للأشكال المتكوّنة.»
- جورج باتاي
ليس الإيروس عند سالومي نزوعًا إلى امتلاك الموضوع، لكنه يكمن في استدامة التوتر الذي يخلقه حضوره. فكل إشباع يحمل في أحشائه بداية خفوته، ولهذا تتغذى الرغبة على نقصها أكثر مما تتغذى على موضوعها. وإذا كان باتاي يجعل من الإيروس لحظة تهدم فيها الذات أسوارها لتبلغ نشوة الفناء، فإن سالومي تجعله حركةً دائرية يعود فيها الكائن إلى ذاته أكثر امتلاءً بعطشه. يمنح فيها الآخر للنرجسية الذاتية أفقًا جديدًا تتجاوز فيه انغلاقها دون أن تتخلى عن مركزيتها.
ومع ذلك أقول ما قالته لو سالومي في أحدى رسائلها إلى فرويد: «ومع ذلك، أعتقد أنه وراء الأنشطة البشرية الفردية والأرضية التي يمكن الوصول إليها من خلال التحليل النفسي، توجد هاوية حيث تتكيف الدوافع الأكثر قيمة والأكثر شرًا مع بعضها البعض بشكل لا ينفصم وتجعل أي حكم نهائي مستحيلاً.»
