ليس العداء بين النساء ظاهرةً يمكن ردُّها إلى الحسد وحده، ولا إلى ما يُشاع عن «طبيعةٍ أنثوية» تنزع إلى المنافسة، إذ إن مثل هذه التفسيرات لا تتجاوز ظاهر السلوك، وتغفل البنية النفسية والاجتماعية التي تمنحه معناه. فالعداء لا يبدأ حين تلتقي امرأتان، لكنه يبدأ قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي تتكوَّن فيها الذات وهي تتعلَّم أن تنظر إلى الاعتراف والمحبة والمكانة بوصفها موارد شحيحة ينبغي الظفر بها ولو على حساب الأخرى. ومن هنا يغدو الآخر، الذي كان يمكن أن يكون مرآةً للاكتمال، مرآةً للنقص؛ ويغدو حضوره تذكيرًا دائمًا بما نفتقده أو بما نخشى فقدانه.
وقد كشف التحليل النفسي، منذ فرويد وامتدادًا إلى ميلاني كلاين، أن الحسد قوةٌ بدائية تتولد من عجز الذات عن احتمال خير الآخر واستقلاله وليس انفعالًا أخلاقيًا طارئًا، ولا ترغب في امتلاك ما لديه فحسب، لكنها قد تميل إلى إفساده حتى لا يبقى جديرًا بالإعجاب. ثم جاءت جيسيكا بنجامين لتبين أن جوهر الصراع يكمن في الإخفاق في الاعتراف بالآخر بوصفه ذاتًا مستقلة مساوية لنا؛ فعندما تعجز الذات عن هذا الاعتراف، لا يبقى أمامها إلا إخضاع الآخر أو الانتقاص منه، لأن وجوده الحر يهدد توازنها الهش.
أما كارين هورني فقد نقلت النقاش من وهم «الطبيعة الأنثوية» إلى سؤال التكوين النفسي والثقافي؛ فالعلاقة الأولى بالأم، وأشكال التنشئة، وأنماط توزيع السلطة والتقدير داخل المجتمع، تسهم جميعها في تشكيل صورة المرأة عن المرأة الأخرى، بحيث تتحول المنافسة أحيانًا من استثناء إلى أسلوبٍ في تنظيم العلاقات. وعلى مستوى أعم، يفسر رينيه جيرار هذه الظاهرة بوصفها تعبيرًا عن الرغبة المحاكاتية؛ فالإنسان كثيرًا ما لا يرغب في الشيء لذاته، وإنما لأنه موضوع رغبة الآخر، وحين تتقاطع الرغبات يتحول التشابه، لا الاختلاف، إلى مصدرٍ للتنافس والعداء.
غير أن اختزال هذه الديناميات في النساء وحدهن سيكون تبسيطًا لا تؤيده الدراسات النفسية والفلسفية. فالحسد، والمقارنة الاجتماعية، والتنافس على الاعتراف، سمات إنسانية عامة، إلا أن صور التعبير عنها تتشكل تبعًا للبنية الثقافية والاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد. لذلك فإن ما يبدو أحيانًا «عداءً بين النساء» لا ينبغي فهمه بوصفه خاصية جوهرية ملازمة لهن، لكن بوصفه نتاجًا لتداخل الدوافع اللاشعورية، وأنماط التنشئة، وآليات المقارنة، وشروط المجتمع التي قد تدفع الأفراد إلى رؤية من يشبههم أقرب منافس لهم.
وسنعرض فيما يأتي رؤى المفكرين الأربعة في تفسير أسباب هذا الصراع والكشف عن منابعه الفكرية والنفسية.
من المحاكاة إلى العنف: قراءة في نظرية رينيه جيرار

«في كل مكان، وفي كل زمان، حين يعجز الإنسان أو لم يجرؤ، أن يوجِّه غضبه إلى موضوعه الأصلي، انصرف لاشعوريًا إلى التماس موضوعات بديلة، وغالبًا ما يعثر عليها.»
لم يذهب المفكر الفرنسي رينيه جيرار إلى أن الإنسان يرغب في الأشياء لفضائل كامنة فيها، ولا لأن حاجته إليها سابقة على معرفته بها، لكنه رأى أن الرغبة ذاتها تتشكل في مرآة الآخر. فالإنسان، في تصوره، لا يكتشف موضوع رغبته اكتشافًا مستقلًا، وإنما يتعلم أن يرغب فيه حين يراه موضوعًا لرغبة غيره. ومن هنا لا يكون الآخر منافسًا لأننا نرغب فيما يملكه، لكن لأننا تعلمنا أن نرغب فيه من خلاله. وبهذا تنتقل الرغبة من كونها علاقةً مباشرة بين الذات والشيء إلى بنيةٍ مثلثية تتوسطها صورة الآخر، فيغدو هذا الآخر، في آنٍ واحد، دليلًا على ما ينبغي أن نرغب فيه، وعقبةً تحول بيننا وبين امتلاكه.
ومن هذا المنعطف تبدأ المأساة الإنسانية. فكلما ازداد التشابه بين الأفراد، اشتدت قابلية كلٍّ منهم لأن يجعل الآخر نموذجًا لرغباته، ومن ثم منافسًا له. ولذلك لا ينشأ أشدُّ ألوان العداء بين المختلفين وفقًا لجيرار لكن بين المتشابهين؛ بين من يتقاسمون العالم نفسه، ويتطلعون إلى المكانة ذاتها، ويتنافسون على الاعتراف ذاته. إن الشبيه هو أكثر الناس قدرةً على جرحنا، لأنه لا يكشف ما نفتقده فحسب، لكنه يسعى إلى أن يكشف أيضًا أن ما نعده جزءًا من هويتنا ليس حكرًا علينا.
وهكذا فأن الحسد والعداء يصبحان نتيجةً منطقية لبنية الرغبة نفسها. فكلما تعذر على الإنسان أن يبلغ موضوع رغبته، أو أن ينافس النموذج الذي استعار منه تلك الرغبة، أخذت المنافسة تتحول شيئًا فشيئًا إلى خصومة، ثم إلى رغبةٍ في إقصاء المنافس أو الانتقاص منه، لأن وجوده المستمر يذكِّر الذات بعجزها.
ومن هنا تتجاوز نظرية جيرار حدود تفسير الحسد أو الغيرة، لتغدو نظريةً في نشأة العنف ذاته. فحين تتعذر مواجهة السبب الحقيقي للإحباط، يبحث الإنسان – من حيث لا يشعر – عن بديل يحمل إليه توتره وعدوانه. وهكذا تنشأ آلية «الضحية البديلة»، حيث يُنقل الصراع من مصدره الأصلي إلى شخص آخر يصبح وعاءً لغضب الجماعة أو الفرد، لا لجرمٍ اقترفه، لكنه صار قادرًا على حمل الأعباء النفسية التي عجز الآخرون عن مواجهتها في موضعها الحقيقي.
وعند تطبيق هذه الرؤية على العلاقات بين النساء، لا يكون السؤال: لماذا تعادي امرأةٌ امرأةً أخرى؟ بل: كيف تتحول المرأة الأخرى من نموذجٍ للإعجاب إلى منافسة، ثم من منافسة إلى خصم؟ إن الإجابة، في منظور جيرار، تكمن في طبيعة الرغبة الإنسانية نفسها؛ فحيثما وجد التشابه، واشتدت المقارنة، وضاق مجال الاعتراف، نشأت المحاكاة، ثم التنافس، ثم العداء. والخصم الحقيقي هو الشبيه الذي يعكس للذات ما كانت تظنه حكرًا عليها، وليس ذلك المختلف.
كارين هورني: التنافس بوصفه قناعًا للقلق والنقص
“إن حقيقة أن الدوافع القهرية نحو النجاح لا تنبثق إلا داخل ثقافة تنافسية، لا تعني البتة أنها أقل انتماءً إلى العصاب.”
في بيئة تُربط فيها قيمة المرأة بمعايير خارجية محددة كالجمال، القبول الاجتماعي، المكانة، الزواج، النجاح المهني؛ قد تتحول داخلها المرأة الأخرى إلى مرآة للقلق.
فالمرأة هنا لا تواجه الأخرى بوصفها شخصًا مستقلًا، لكن بوصفها مقياسًا لقيمتها هيَّ! ولهذا قد تصبح المرأة الأخرى عدوة لأنها تهدد النظام النفسي الذي بنت عليه تقديرها لذاتها.
فالمجتمع التنافسي قد يحوّل الإنسان إلى كائن يقيس قيمته باستمرار مقارنةً بالآخرين ولا يخلق فيه الطموح فحسب. وحين تصبح قيمة الذات قائمة على التفوق، يغدو نجاح الآخر تهديدًا لا إلهامًا.
تقول كارين في كتابها العُصاب ونموّ الإنسان:
“إنهم الآخرون من أوصلوني إلى ما أنا فيه؛ ومن ثم فأنا مستحقٌّ للإصلاح والتعويض. لكن أيّ إصلاح يمكن أن يكون، إذا كنتُ أنا من يتحمل كل العناء ويبذل كل المسعى؟! إن مثل هذا التفكير لا يصدر إلا عن إنسان فقد صلته الخلّاقة بحياته؛ فلم يعد يرى أن زمامها في يده، ولا أن عليه أن يفعل شيئًا لتغييرها، بل ألقاها في عهدة «الآخرين» أو سلّمها لمشيئة القدر”
تنتقد هورناي هنا ما تسميه في كتابها الموقف العصابي من الحياة؛ أي انتقال الإنسان من موقع الفاعل إلى موقع الضحية. فالشخص العصابي، في تصورها، يبني حول أذاه هويةً كاملة: بما أن الآخرين ظلموني، فأنا غير مسؤول عن تغييري.
وهذا مهم في سياق موضوعنا عن العداء بين النساء؛ إذ يمكن توظيفه لفهم كيف قد تتحول مشاعر الظلم أو النقص إلى استحقاق عدائي: حين ترى الذات أن معاناتها سببها الآخرون، قد تمنح نفسها مبررًا لا شعوريًا لمعاقبتهم أو الانتقاص منهم بدل مواجهة صراعاتها الداخلية وبناء ذاتها.
إن المرأة التي تعيش صراعًا داخليًا حول قيمتها أو مكانتها قد تجد في امرأة أخرى موضوعًا مناسبًا لإسقاط هذا الصراع. فالمرأة الأخرى تتحول إلى رمز لكل ما تشعر الذات أنها حُرمت منه: القبول، الجمال، النجاح، الاعتراف أو التفوق.
ومن ثم فأن التخلص من الشعور المؤلم الذي تثيره يتحتم عليها تحطيم هذه المرأة. فالتقليل من شأنها، أو التشكيك في استحقاقها، أو محاولة إسقاط صورتها، قد يصبح وسيلة دفاعية تحمي الذات من مواجهة سؤال أكثر قسوة:
لماذا أشعر أن وجودها ينتقص من قيمتي؟ تُجيب كارين هورني في كتابها صراعاتنا الداخلية: نظرية بنّاءة في العصاب
أما المفاهيم التي توصلتُ إليها في هذا الصدد، فيمكن تلخيصها بإيجاز على النحو الآتي: إن الدوافع القهرية هي دوافع عصابية على نحو خاص؛ فهي تنشأ من مشاعر العزلة والعجز والخوف والعداء، وتمثل طرائق للتعامل مع العالم رغم هذه المشاعر. وهي لا تهدف، في المقام الأول، إلى الإشباع، بل إلى تحقيق الأمان؛ أما طابعها القهري فيعود إلى القلق الكامن خلفه."
وهذا أيضًا له اهميته في موضوعنا عن العداء بين النساء؛ لأن السلوك العدائي وفقًا لكارين هورني يُفهم هنا بوصفه استراتيجية نفسية للتعامل مع مشاعر أعمق: العزلة، العجز، الخوف، وفقدان الأمان.
فالمرأة التي تبحث قهريًا عن التفوق أو السيطرة أو الاعتراف تحاول الهروب من شعور داخلي بالضعف. وهنا يصبح الآخر سواء امرأة أخرى أو أي شخص يمثل تهديدًا للمكانة موضوعًا تُسقط عليه الذات قلقها.
التدمير بوصفه بحثًا عن الذات: قراءة في جيسيكا بنجامين
«إن التدمير، بعبارة أخرى، هو محاولةٌ لإقامة التمايز. وفي الطفولة، إذا سارت الأمور على ما ينبغي، فإن هذا التدمير لا يفضي إلا إلى البقاء.»
عندما تقول المُحللة النفسية الأمريكية جيسكا بنجامين: “إن التدمير هو محاولة لإقامة التمايز”، فهي تقلب الفهم التقليدي للعدوان. فالتدمير هو وسيلة تلجأ إليها الذات لتثبت أنها ليست امتدادًا للآخر، بل كيان مستقل عنه.
فالطفل، في بدايات حياته، يعيش اندماجًا نفسيًا مع الأم، ولا يميز بوضوح بين ذاته ووجودها. ومن أجل أن يولد بوصفه ذاتًا مستقلة، لا بد أن “يدمر” هذا الاندماج رمزيًا. فإذا احتملت الأم هذا العدوان دون أن تنهار العلاقة، اكتشف الطفل حقيقةً حاسمة: يمكن للآخر أن يبقى موجودًا حتى بعد أن أختلف معه أو أعارضه أو أغضب منه. ومن هنا ينشأ الاعتراف المتبادل.
لكن ماذا يحدث إذا أخفقت هذه العملية؟
ترى بنجامين أن الذات قد تعجز عن تصور استقلالها إلا عبر إلغاء استقلال الآخر. فبدل أن يكون التمايز قائمًا على الاعتراف، يصبح قائمًا على الهيمنة أو الإقصاء. هنا لا يعود الآخر شريكًا في الوجود، لكنه يصبح عقبةً ينبغي تجاوزها حتى أشعر بوجودي.
وعند إسقاط هذه الفكرة على بعض العلاقات بين النساء، يمكن القول إن العداء قد يكون تعبيرًا عن إخفاق في الاعتراف. فإذا أصبحت امرأة أخرى تجسد المكانة أو النجاح أو الصورة التي تتمنى الذات أن تحققها لنفسها، فقد تغدو مجرد رؤية استقلالها وتميزها مصدر تهديد. وفي مثل هذه الحالة، قد تتحول الرغبة في التمايز إلى رغبة في الانتقاص من الأخرى أو تحطيم صورتها، لأن وجودها المستقل أصبح يُختبر بوصفه نفيًا لقيمة الذات.
ومن هنا فإن ما يبدو “رغبة في تدمير الأخرى” يمكن قراءته، في ضوء فلسفة بنجامين، بوصفه فشلًا في الانتقال من علاقة السيطرة إلى علاقة الاعتراف. فالذات التي لم تتعلم أن استقلال الآخر لا ينتقص من استقلالها، قد لا تجد سبيلًا لإثبات وجودها إلا بإنكار وجود الآخر أو تقليص قيمته.
ميلاني كلاين: حين يصبح كمال الأخرى جرحًا للذات
نظرية ميلاني كلاين لا تفسر عداء النساء بوصفه خاصية أنثوية، وإنما بوصفه مظهرًا لإحدى أعمق آليات النفس الإنسانية: عجز الذات عن التعايش مع خيّر الآخر عندما يتحول ذلك الخير إلى مرآة تعكس افتقارها. وحين يفشل الإنسان في تحويل الإعجاب إلى تعلّم، أو المقارنة إلى نمو، قد ينقلب الخير الذي يراه في غيره إلى جرح نرجسي، ومن الجرح يولد الحسد، ومن الحسد قد يولد العداء والعنف.
وعلى هذا الأساس، لا يعود العداء بين النساء مجرد منافسة على الجمال أو المكانة أو الاعتراف، لكن قد يكون تعبيرًا عن جرح نرجسي أعمق. فالمرأة الأخرى لا تُعادى لأنها خصم بالفعل، لكنها تجسد ما تتمنى الذات امتلاكه وتعجز عن احتماله في الوقت نفسه. ولهذا قد يتخذ الحسد صورةً أشد راديكالية: الرغبة في الانتقاص من قيمة ذلك الكمال، أو تشويهه، أو إفساده، حتى يفقد قدرته على إيلام الذات.
ومن هنا تميز كلاين بين الغيرة والحسد. فالغيرة تنشأ من الخوف من فقدان شيء نحبه لمصلحة شخص آخر، أما الحسد فيتجه إلى الخير ذاته الكامن في الآخر؛ إذ لا يحتمل الحاسد أن يكون الآخر مالكًا لشيء يراه كاملًا أو جديرًا بالإعجاب. لذلك لا يكون الهدف دائمًا امتلاك هذا الخير، لكنه قد يمتد إلى حرمان الآخر من التمتع به، أو إبطال قيمته، أو إنكار استحقاقه.
