هنالك نساء يُمثلن استعصاءً دائمًا على التأويل النهائي وخاصة المُتَواريات منهن؛ وكانت إيميلي ديكنسون إحداهن. وهذه بداية ينبغي أن نُباشر بها قبل الخوض. 

أنني أبغض تلك التأويلات الجاهزة التي تتساقط على النساء المبدعات كأقنعةٍ تفسيرية مُسبقة، إذ كثيرًا ما تبدو محاولةً لمصادرة الحقيقة الحية لصالح صورةٍ مريحة أخلاقيًا أو ثقافيًا وأدبيًا. فكلما واجه الوعيُ الحديث امرأةً فائضة التعقيد والغموض، سارع إلى تدجينها داخل قوالب الطهر، أو الهشاشة، أو النسك أو ما يناقضهُ.
غير أنّ مقاربة الأمر لدينا لا تقوم على إسقاطات انطباعية مضادة، لكننا
نحاول الإنصات إلى النص نفسه؛ إلى شقوق اللغة، وإلى ما يتسرب من الإيقاع والصور والاستعارات، وإلى ذلك المحتوى الكامن الذي لا يُقال مباشرةً بقدر ما يطفو عرضًا فوق سطح الكتابة. فنحن لا نفتش عن سيرةٍ مخفية بقدر ما نحاول تفكيك البنية النفسية والوجودية للنصوص وتقفي ذلك الأثر المرتبك لصراعها الداخلي. ومن هُنا، فإنّ قراءة ديكنسون من منظور وجودي وتحليلي نفسي يعني النظر إلى عزلتها باعتبارها شكلًا من أشكال التمركز الراديكالي حول الذات، ومحاولة قصوى لحماية الداخل النفسي من عنف العالم الخارجي وكذلك ابتذاله.

الإعلان

ويمكن النظر أيضًا إلى انسحابها بوصفه نوعًا من التسامي الذي تحوّلت فيه الرغبات والاستثمارات الوجدانية المجهضة إلى لغة شعرية فائقة الكثافة. حيث أغلقت الشاعرة المجال الواقعي للعلاقات والروابط بكافة اشكالها، لكنها فتحت بالمقابل مجالًا رمزيًا هائلًا داخل الكتابة، حتى غدت القصيدة بديلًا عن العلاقة الإنسانية ذاتها وتحولت الغرفة الضيقة إلى فضاء أنطولوجي.

اللغة بوصفها الملاذ الأخير للكينونة


«لقد متُّ من أجل الجمال، ولكن حالما‏
وُضعت في القبر‏
استلقى من كان قد مات من أجل الحقيقة‏
في حجرةٍ مجاورة.‏»

إنّ أهمية ديكنسون تكمنُ في ذلك الكشف المبكر عن المأزق الحديث للذات الإنسانية: ذاتٌ تشعر بأن العالم الخارجي عاجز عن احتواء عمقها الداخلي، فتلوذ باللغة بوصفها الملاذ الأخير للكينونة. ولهذا تبدو تجربتها، حتى اليوم، معاصرة على نحو مقلق؛ لأنها لا تتحدث عن عزلة فردية اختيارية، لكنها تجسد اغتراب الإنسان الحديث أمام ذاته والآخر والوجود والله والزمن.

إنّ عزلتها أفضت إلى فائضٍ لغوي مذهل؛ وهذا ما يجعلها حالة فريدة في الأدب الحديث. لقد كانت تنسحب من العالم الواقعي بقدر ما تتوغل في العالم الرمزي، وبلغ ذلك حدًا من الكثافة التي اصبح فيها الاحتكاك اليومي بالعالم يبدو أقل حقيقية من الحياة الداخلية ذاتها.

لذلك إنني أتحفظ إزاء ذلك التوصيف الكسول الذي درج عليه مؤرخوها حين أحالوها  إلى «راهبةٍ للعزلة» أو «ناسكة الشعر الأمريكي»، وكأنهم، بعجزهم عن مقاربة كثافتها الداخلية، لم يجدوا غير استعارة الزهد لتفسير انسحابها من العالم. غير أنّ هذا التأويل يغفل حقيقة أكثر عمقًا وخطورة: فاللغة، شأنها شأن الفن، ليست كيانًا بريئًا أو متعاليًا على الجسد، هي في أصلها؛ ذات منشأ ليبيدي.

إن من يتفحص شعر ديكنسون بعيدًا عن القراءة التطهيرية التي فرضها الذوق الفيكتوري، سيجد نفسه بإزاء ذاتٍ فائضة بالحساسية الرغبوية، لا ذاتٍ منزّهة عنها. فقصائدها لا تصدر عن برودة ناسكة منعزلة، لأن هنالك احتدام داخلي بالغ الكثافة؛ احتدامٍ تتقاطع فيه الرغبة بالموت بالهوام والتَخيل، والانكفاء الجسدي بتضخم العالم الرمزي. لقد كانت تعيش العزلة لا كممارسة تقتضي نفيًا للرغبة، وإنما بوصفها إعادة توجيه لها إلى الحقل اللغوي. ولهذا تبدو قصائدها، في كثير من الأحيان، كما لو أنها تكتب من تخوم اللذة المؤجلة؛ إذ إنّ ما يُكبت في الواقع يعود داخل اللغة على هيئة إيقاع متشنج، وصور متقطعة، وانفعالات خاطفة تشبه ارتعاشات الجسد أكثر مما تشبه تأملات العقل البارد التجريدي، وهذا هو شكل الرغبة الأكثر تساميًا وتعقيدًا.


الموت بوصفهِ أفقًا دائمًا للحضور

«لأنني لم أستطع التوقف للموت‏
توقف هو بلطفٍ من أجلي.»

يقول سيوران في «رسالة في التحلل»: تنفتح هُوَّة عالَمَيْن مُنْفَصِلِين بين الإنسان الذي يشعر بالموت والإنسان الذي لا يشعر به. كِلاهُما إلى موتٍ، لكنّ أحدهُما يجهل موتَه والآخَرُ يعرفُه. أحدهُما لا يموت إلّا لِلَحظةٍ والآخَرُ لا ينفكُّ يَمُوت.. أحَدُهُما يعيش كأنَّه أبديٌّ، والآخَرُ يُفَكِّر في أبديَّته باستمرار وَيُنْكِرها في كلّ فكرة.​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​

وكانت إيميلي، بلا شك، هي الإنسان الذي لا ينفك عن الموت؛ إن الموت في قصائدها هو حضور متسرّب داخل الأشياء: في الصمت، وفي الكلمات، وفي تروي الزمن، وفي الإحساس الغامض بانفصال الذات عن العالم. لذلك تبدو قصائدها وكأنها مكتوبة من حافة الوجود، حيث تصبح الحياة ذاتها قابلة للاستشعار فقط حين تُضاء بإمكانية الفناء. ويمكن القول إن ديكنسون تُشعر القارئ بما يسميه هيدغر “أصالة الوجود”. فالإنسان، وفقًا لهيدغر، يعيش غالبًا في نمط يومي زائف، ذائب داخل الجماعة والعادات والكلام المبتذل. لكن مواجهة الموت تقتلع الذات من هذا التبدد، وتجبرها على مواجهة حقيقتها العارية. وهذا ما يحدث في شعر ديكنسون: إذ إنّ الإحساس الدائم بالفناء يجعل التجربة اليومية مكثفة بصورة استثنائية. الأشياء الصغيرة عندها -صوت ذبابة، شعاع ضوء مُنكسر، باب نصف مفتوح- تكتسب رهبة وجودية لأن الزمن نفسه يبدو هشًا وعابرًا. ومن هنا نفهم العبارة: «الموت أفق دائم للحضور». إنّ حضور الفناء هو ما يجعل الوعي أكثر حدة، وأكثر قدرة على إدراك أصالة اللحظة. لذلك تكتب ديكنسون عن الموت بوصفهِ الشرط الخفي للحياة والذي يكشف عن معناها

« كونها لن تعود أبدًا، هو ما يجعل الحياة عَذِبة إلى هذا الحد.»