ثمة شيءٌ مُشترك بين حالات اليأس القصوى، فيض الأحاسيس، وبين سورات الغضب العارمة: إنه لحظة الانفجار المباغت، تلك التي تهدم توازنًا شُيّد بشقّ النفس تحت وطأة صيغٍ مفروضة تجور على الذات وتشلّها.

وحين يوجد شعور حقيقي أو مزعوم “بالدونية” تجاه العالم، فـ لعله يُفسر لنا جزئيًا ما يبديه صانع الشعر والمسرح من تحفظ تجاه الآخرين وعنف مفاجئ تُحطم به قواه المقموعة ذلك القناع المسالم الذي يضعه، غير أن ما يفوق هذا الشعور بالدونية عُمقًا واتساعًا هي تلك الوحدة القابعة في داخله. لذلك سيغدو التوحيد  بين كلا الموقفين في ذاتٍ واحدة أمرًا شاقًا، إذ أن الشعور بالوحدة لا يعني شعورًا بالدونية، لكنه شعور بالاختلاف. والشعور بالوحدة ليس وهمًا، كما هو حال الشعور بالدونية في بعض الأحيان إنما هو تعبير عن حقيقة واقعة: نحن مختلفون حقًا، ونحن وحيدون حقًا. 

تقف مسرحية الذهان لسارة كين بوصفها تجسيدًا حيًا لهذا الانفجار. صانع الشعر وخالق المسرح يُشيد عالمٍ من أجله ويُصنع وفق مشيئته، أنه مرأته لكنه لم يعد يتعرف إلى ذاته في مثل هذه الانعكاسات الجامدة ولا في مثيلاتها، وكأننا أمام ذاتٍ تمارس فعل الخلق لتختبر أستحالة وجودها، لا لتؤكده. لذلك يبدو كما لو أنه ساحر يفتقر إلى البراعة في صنعته، وحين يجد أن افعاله السحرية لا تطاوعه. يبقى وحيدًا بينها تائهًا وسط صحراء قفر من المرايا.

كانت سارة كين وسط مسرح الذهان لا تقدم شخصيات محددة بوضوح، ولا حبكة سردية واضحة، كانت أقرب إلى تدفّق ذهني أو مونولوج داخلي يعكس حالة من الوحدة المضطربة والانفجار الحاد. النص يتنقل بين الشعر، الاعتراف، والهلوسة، ليجسد اجزاء من كينونتنا، بما فيها عبادة الموت التي هي في جوهرها عبادة الحياة، وجوع الحب الذي يكتنفه الجوع إلى الحياة وما هو إلا توق إلى الموت أيضًا.

في هذه الدراما المسرحية الخالية من الشخوص التي كل ما فيها لا يعدو كونه انعكاسات وصورًا تنكرية لشخصٍ منتحر يناجي نفسه باللغة المرايا والأصداء، ثمة انجذاب نحو العدم، نحو الصمت النهائي، نحو التلاشي. لو تناولنا ذلك وفق لغة التحليل النفسي فأن فرويد يفسّر ذلك عبر صراع إيروس (غريزة الحياة) وثاناتوس (غريزة الموت). حيث تتجه الطاقة النفسية إلى التفكك والانطفاء. تتخلل المسرحية، المرايا التي لا تعكس الحياة بقدر الرغبة دفينة في إطفائها، كأن الذات تبحث عن راحة استسلام لا يمنحها إلا الغياب المطلق، وهذا ما جسدته سارة كين في غيابها الأبدي، حين يصبح الإبداع هو أيضًا محض انعكاس والشكل الأكثر نقاءً للموت، ذلك الموت الهائم بنفسه، فكل شيء يتهافت في وضوحه الخالص، كل شيء يغرق في بريقه وكل شيء يمضي صوب ذلك الموت الشفيف، فالحياة صورة مجازية، يبتغي الموت من خلالها الخداع، خداع حتى نفسه، ينطوي خالق الشعر على نفسه ويهيم داخلها ليصبح موتًا لا يكل ولا ينتهي.

«وأحيانًا يكون التخلّي عن الذاتِ هو الطريقة الوحيدة لكي لا يموت المرء، أو لكي ينجو ممّا هو أشدّ سوءًا من الموت.. إنّها محاولةٌ للاستمرارِ في العيشِ بالتخلّصِ من مجهودِ العيش..»

نفتقد لشعرٍ مسرحي يعكس تجليات الموت على مرايا الإبداع. لأن المَوت الحَديث يخلو مِن أي مَغزى يُمكن أن يَجعله يَتَجاوز القيم الآخرى أو يُشير إليها، فهو ببساطة وفي كل الأحوال النهاية الحَتمية لعمليةٍ طبيعية. وفي عالمٍ يَزخرُ بالأحداث يُمسي الموت حدثًا آخر لا غير. ولأنه حدث بغيض يَطرح على بساط الحكم مفاهيمنا كلها ومغزى حياتنا نفسها، فإن فلسفة التقدم في أي اتجاه ومن أي اتجاه -كما يتساءل شيلر- تسعى إلى أن تُجنبنا حضوره، إذ أن كل ما في العالم الحديث يعمل كما لو كان الموت لا وجود له. لكن الموت بوصفه فمًا هائلًا خاويًا لا يعرف الشبع، حاضر في كل ما نقدم عليه،

لكن لا أحد يفكر في الموت، في موتهِ الخاص، إذ لا أحد يحيا حياة خاصة.