أننيّ على الدوام وفي كلّ الأحوال لأكثر مِن مَجموع الصفات التيّ يُمكن أن يَخلَّعها عليَّ أي بحثٍ أقوم بهِ لنفسي أو يَتَولاه غيري عنيّ.

كان انشغال الفيلسوف الألماني ياسبرز بالطب النفسي والعقلي ومشاركته في تأسيس علم النفس الوجودي تعبيرًا عَنْ اتجاهه الأساسي إلى النظر الكلي للإنسان بوصفه أكثر بكثير مما يمكن أن تسفر عنهُ نتائج العلوم والبحوث الطبيعية والحيوية والطبية والاجتماعية والنفسية التيّ تتناوله أو تُطبق عليه. ومن ثمُّ كان تحوله مِن الطب النفسي إلى الفلسفة تأكيدًا على رغبتهِ الأصلية في إضاءة الوجود الإنساني الحميم بالوعي الفلسفي. وإذا كان في بداية حياته قدّ اعتمد منهج التواصل الوجودي بين الطبيب والمريض، حتى ينير الأول وجودَ الأخير ويعيده إلى السواء، فقد تلفّع بعد ذلك بوشاح الطبيب المداوي لأمراض العصر، وظل التواصل عنده هو لُبّ الوجود الإنساني وسبيله إلى سرّ الوجود الشامل وإلى تجربة الأفراد العِظام لحقيقتهِ الغامضة والنابضة فينا، لذلك لم تكن الأحوال المرضية والظواهر الاِستثنائية عند بعضهم مُجردَّ حالات يُمكن إِدراكُها بوسائل علم النفس. لا بدّ أن تنبع الجهود في فهم الإنسان من الوجود الحميم أو الأصيل وتصبَّ فيه، ولا بدّ أن تتجه من وراء الوقائع والمُقارنات والتحليلات إلى إنارة هذا الوجود والاِستِبصار بألغازه.

لا يَتصلُ فهُمٌ بفهمٍ، ولا عقلٌ بِعقل، بَلْ وجودٌ حميم بوجودٍ آخر حميم، فيه تتحققُ كل حقيقة أخرى، وفيه وحده أكون أنا نفسي، حيثُّ لا أحيا مُجرد حياة، وإنما أحققُ حياتي.

فالإنسان دائمًا أكثر مِمَا يُمكن أن تعرف عَنْه مِن الزوايا النفسية. والعظمة في الفرد صورة من عظمة الكُلّي وقيمتها لهذا السبب، هي قيمة كلية. وإذا كانت وقائع حياة العظيم، وسلوكه ووسطه وأعماله وسجيته، ومظاهر قلقه وتمزقه ومرضه وشذوذه؛ كلها تصلح لأن تكون موضوعًا للبحثِ النفسي، فإن هذا البحث يَنبغي أن يَهتمُ بدلالتها الميتافيزيقية والوجودية لا بدلالتها السيكولوجية الخالِصة فحسب.

ثم إن معنى العظمة يغيب عنا إذا لجأنا إلى البحث النفسي والاجتماعي؛ فمن شأن طراز الفكر في علم النفس والاجتماع أن يعشي البصر ويَحجبُ العظمة عندما نعد ذاك الطراز مطلقًا. ذلك أن العظمة في نظر هذين العِلْمين تنحل إلى كيف، إلى خصائص إلى ما يمكن مشاهدته موضوعيًا وكميًا.

ويكُرر ياسبرز كحال فلاسفة الوجود أنه لا سبيل للإفصاح المباشر عن هذا الوجود المستتر الحميم، ولكننا نحياه أنطولوجيًا في لحظات داخلية تتجاوزُ تفسيرات المناهج التجريبية. ويؤكد كيركغارد ذلك بقولهِ: "أنَّ الحقائق والمبادئ العلمية التيّ تُلزِم العقل بتصديقها، لأنها ضرورية؛ لا تلزمني بما أنا وجودٌ فردي وحيد، ولا تُجيب عَنْ أسئلتي القلقة عن حقيقتي ومصيري."

كارل ياسبرز
إنَّ دراسة الوجود النفسي تتطلبُ علم نفس توضيحي، وعلم نفس شامل ووصفًا للوجود. — كارل ياسبرز

إذا كانت دراسات ياسبرز لبعض الظواهر المرضية تنتمي إلى الطب النفسي وعلم النفس الوجودي، فقد نشأت من السؤال عن حدود التفهم الممكن للوجود والإبداع الإنساني. ففي كل وجود فعلي، بما في ذلك الوجود العقلي، لحظة أو لحظات غامضة يمكن أن نصفها بأنها مستعصية على الفهم. وعندما يتعلق الأمر بالأمراض العقلية والنفسية، يمكن إخضاع الوجود الفعلي للتجريب والتحليل والمقارنة الدقيقة والتصور الفينومينولوجي. غير أنهُ يظل مع ذلك محتفظًا بقدرٍ من الغموض الذي لا يَسمحُ بالكشفِ عنه كشفًا نهائيًا؛ لأنه آخر المطاف جزء من لُغزِ الوجود نفسه أو شفرته التي يحاول الوعي الفلسفي أن يفك رموزها.

فالعالم لا يقدّم أيّة صورة عقليّة للإنسان، تساعده على فهم وجوده. فكلّ ما يقدّمه العالم للوجود هو شيفرة ما، وهذه الشيفرة تحتاج دائمًا إلى تفسير. ومحتوى الفلسفة حسب رأيه لا ينكشف إلاّ في الفهم الصميمي للشيفرة. وليست مهمّة الفلسفة سوى استيعاب ما هو لاعقلي إلى حدٍ بعيد، وهذا اللاعقلي هو الذيّ يسودُ العالم.