يعرّف هيجل الفن بأنه تجسد الفكرة -المضمون الروحي- في المادة أو الشكل، وتكمن مهمة الفن في التوفيق بين هذين الجانبين: “الفكرة وتمثيلها الحسي بتشكيل كلية حرة منهما.”

يؤكد هيجل بـ”أن الفكرة والتمثيل يتطابقان في الفن الأكثر رقيًا على نحو موافق للحقيقة، بمعنى أن الشكل الذي تتجسد فيه الفكرة هو الشكل الحقيقي في ذاته، وأن الفكرة التي يعبر عنها تشكل بدورها التعبير عن الحقيقة.

لذا، الفن من منظور المظهر الذاتي عبارة عن نشاط روحي وحسي معًا، وليس آليًا كما هو الحال مع الأشياء في الطبيعة، ولا عمليًا كما هي مع الأفكار الفلسفية، لذا هذا النشاط لا يتعامل مع أفكار محضة أو مجردة، بل ينبغي أن يكون في آن واحد حسيًا وروحيًا. حيث يرى أن ما يهدف إليه مضمون الفن هو إيقاض النفس, وهذا لصيق بالمشاعر والأحاسيس التي تجد مكانها في الذهن الإنساني, وبالتالي فالفن يضع في متناول الحدس ما هو موجود في الفكر البشري ليوقظ مشاعر كامنة، ويضعنا في حضرة الروح الحقيقية. حيث يقول:

“ليس جميلاً إلا ما يجد تعبيره في الفنّ بوصفه خلقًا روحيًّا خالصًا، ولا يستأهل الجمال الطبيعي هذا الاسم إلا في نطاق علاقته بالروح.”

في الفنّ يبدو المحسوس مُرَوحِنًا، ويرتدي الروحاني مظهرًا حسيًا ومن شأن الفنّ أن يظهر الجوهري والكلي، فهو يستخرج القيمة الحقيقيّة من المظاهر الحسيّة ويعطي هذه الأخيرة واقعًا أسمى يولده الروح.

كما يرى هيجل أن محتوى الفن هو الفكرة، وهذه الفكرة ليست شيء مجرد، فصيغتها توجد في التجسيد المحسوس في صورة. وبالتالي فالجميل في الفن هو تلك الفكرة التي تشكلت في الواقع، والتي معه في وحدة مباشرة. ومنه فالواقع المصوغ بشكل يتناسب مع تصوره هو المثل الأعلى, ومن هنا فالفن يعض الإنسان, ويتحقق هذا الغرض حين ينفذ المضمون الروحي الجوهري في الوعي عن طريق العمل الفني. من هذه الناحية يمكن القول بأن الفن كلما سما كان يحتوي على مضمون أكبر, وكان هذا معيار.

ولا يرى هيجل بأن الفن خاوٍ من كل دلالة أخلاقية، ولكن يرفض أن يكون هو الغاية النهائية للفن، كما لا يرى مانعًا أيضًا من أن توجد الوصايا الأخلاقية في العمل الفني بشكل ضمني، بشرط ألا تظهر فيه بصورة جلية ولا تقدم لنا كواجب ينبغي العمل به. 

ويؤكد بقوة أن المحتوى هو العنصر الحاسم في الفن كما في سائر الفعاليات الإنسانية وهكذا يتضح أن للفن قيمة معرفية فهو شكل من أشكال المعرفة. يمثل الفن في نظر هيجل بجانب الدين والفلسفة واحدًا من أسمى الأشكال التي يتجلى لها الروح المطلق. والروح المطلق، تمثل الروح البشري في تجلياته العليا على نحو ما يتجلى في الفن والدين والفلسفة. حيث يقول “الروح المطلق هو تأمل الروح لنفسها.” والروح المطلق هو تلك المرحلة النهائيّة التي يعرف فيها الروح أنّه في تأمله لنفسه فإنّه يتأمل المطلق أيضًا. ويتخذ إدراك المطلق ثلاثة طرقٍ تعطينا ثلاث مراحل للروح المطلق هي: الفن، الدين، الفلسفة.”

الفن كتجسيدٍ حسيٍّ للفكرة هو جزءٌ من العقل المطلق، إلى جانب الدين والفلسفة. هو إذًا واحدًا من ثلاثة أشكالٍ تتحقق فيها حرية الروح ويجري التعبير عنه. هو أول ظهور للمطلق، هو تعبيرٌ محسوسٌ عن الحقيقة. يجتمع الفنّ مع الدين والفلسفة في نفس الإطار، إذًا، ولا يتميز الفنّ عنهما إلا في شكله، أي في تعبيره المحسوس. وهذه المجالات الثلاثة التي تمتلك، بشكلٍ أساسي، مضمونًا واحدًا وهو المطلق، ولا يتميز أحدها عن الآخر إلا في شكل تقديم ذلك المضمون إلى الوعي الإنساني.

 من هنا نجد الفيلسوف الألماني الكبير يثبت في دروسه عن فلسفة الفن أن مهمة الفن هي التصوير الحقيقي للوجود في تجلياته الظاهرية, ولذلك فحقيقته تكمن في تحقيق الوفاق بين الخارج والظاهر. وهنا نجد ذات الأمر لدى آرثر شوبنهاور فالفن والفلسفة يشتركان في وظيفتهما الإدراكية لماهية الوجود، إذا كان التفلسف يمارس الوعي بالحياة عن طريق التصورات فإن الفنّ يمارس الوعي بالحياة عن طريق المُثل.

“في التأمل الفني يصير الشيء الجزئي صورة نوعه دفعة واحدة، ويستحيل الفرد المتأمل إلى ذات عارفة خالصة”.

— شوبنهاور

أما أنماط الفن عند هيجل فهي الفن الرمزي, الفن الكلاسيكي والفن الرومانسي: ما يميز الأول أن الذهن البشري يحاول التعبير فيه عن أفكاره, لكنه يعجز عن التجسيد الكامل لها, ومن هذا المنطلق يلجأ إلى الرموز, أي يتميز باختلاف الشكل الخارجي عن المضمون كفن العمارة. والثاني يمثل مرحلة أتحاد الشكل والمضمون, أي تتجسد الفكرة بشكل كامل في صورة حسية كفن النحت. بينما يمثل الأخير مرحلة من مراحل تحرر الروح من المادة وهو قائم على فكرة الجدل بين العقل والطبيعة ويعتبره هيجل أعلى أشكال الفنون كالموسيقى والشعر.

عند هيجل الجمال ليس مسألة شكل وحسب، بل هو أيضًا مسألة مضمون. حيث يُعطي الفن أيضًا بالنسبة لهيجل تبيانًا للروح في فهمها لنفسها، وهذه واحدة من أكثر أفكار هيجل إثارة للجدل، وهي التي تضعه في محل خلاف مع غيره من الفلاسفة ومنهم إيمانويل كانط الذي يصرح في كتابه نقد مَلَكة الحكم  بأن القضية الجمالية ليست أخلاقية ولا معرفية، ولكن بالأحرى قضية ذوقيّة مرهونة بالذاتي والجمالي الذي يلاقي استحساننا. حيث يقول:

“لكي نميّز الشيء هل هو جميل أو غير جميل، فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة بل إلى مخيلة الذات وشعورها باللذة والألم، وبالتالي ليس منطقيًا، بل جمالي، ونعني بذلك أن المبدأ الذي يعيّنه لا يمكن أن يكون إلا ذاتيًا.” 

لذلك ينتهي هيجل في نقد فلسفات الفنّ الحديثة إلى تقرير مثاليّة الجميل، نعني كونه نتاجًا مخصوصًا من نتاجات الروح المطلق. حيث يقول هيجل ناقداً الفلسفة الكانطيّة:”تلك هي إذاً النتائج الرئيسيّة للنقد الكانطي، في حدود اهتمامنا هنا. ويشكّل هذا النقد نقطة الانطلاق لتفهّمٍ حقيقيٍّ للجمال الفني، ولكنّه ينطوي على بعض الثغرات كان من الضروري ردمها حتى يغدو هذا التفهم أكثر صلاحيّةً واكتمالا”.

ومنه تفاوتت قدرة الفلاسفة في تفسيرها للعمل الفني، هناك من انطلق من الطرح الهيجلي ليستخلص مفهوم جديد للفن كالماركسية، وهنالك من حاول بناء صرح جديد بانطلاقة جديدة في تفسير الفن وإعطائه دورًا جديدًا مثل نيتشه وهيدجر.