يعتقد الفيلسوف باروخ سبينوزا أن ما يسمى غالبًا بالإرادة هو في الحقيقة رغبات أو غرائز أساسها حفظ بقاء الفرد.

إن ما يسمى غالبًا “إرادة” كالقوة الباعثة التي تقرر استمرار الفكرة في الشعور ينبغي أن يسمى بالرغبة التي هي جوهر الإنسان. إن الرغبة عبارة عن غريزة أو شهوة نشعر بها، ولكن الغرائز لا تعمل دائمًا عن طريق الرغبات الواعية، إذ أن وراء الغرائز يكمن المجهود الغامض لحفظ البقاء. وسبينوزا يرى هذا الجهد في جميع البشر تمامًا كما يرى نيتشه وشوبنهاور إرادة الحياة أو إرادة القوة في كل تجليات الحياة، فكل نشاط بشري مهما تنوع صادر عن هذه الرغبة في حفظ البقاء.

كل شيء يحاول أن يُبقي على وجوده، وليس هذا المجهود في حفظ البقاء إلا جوهر حقيقته. والقوة التي يستطيع بها الشيء أن يبقى هي قوام جوهره ووجوده. كل غريزة هي خطة ارتقت بها الطبيعة للمحافظة على بقاء الفرد. والسرور والالم هما إرضاء للغريزة أو تعطيلها، هما ليسا سببين لرغباتنا بل نتيجة لها. أننا لا نرغب في الاشياء لأنها تسرنا بل إنها تسرنا لأننا نرغب فيها ولا مناص لنا من ذلك. 

ضرورة البقاء تُقرر الغريزة، والغريزة تُقرر الرغبة، والرغبة تُقرر الفكر والعمل. وقرارات العقل ليست سوى رغبات، وليس في العقل إرادة مطلقة، هنالك سبب يُسير العقل في إرادة هذا الشيء أو ذاك، وهذا السبب يسيره سبب أخر وهكذا..

يظن الناس أنهم أحرار لأنهم يُدركون رغباتهم ومشيئتهم، ولكنهم يجهلون الاسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا أو يشتهوا. يعتقد سبينوزا أن الإرادة ليست مَلَكَة مُستَقِلة للعقل لأنها متساوية في حقيقَتِها مع أي مصطلح محمول على ذاته يمكن للمرء أن يصنعه، ولهذا فلا يمكن للمرء أن يدّعي أنها تأخُذُ الأسبقيّة على باقي المَلَكات العقليّة المُفترضة.

يُقارن سبينوزا الشعور بالإرادة الحرة بحجر رُمي إلى الفضاء وأن هذا الحجر لو وِهب شيء من الشعور لظن أثناء رميه في الفضاء أنه يقرر مسار قذفه ويختار المكان والوقت اللذين يسقط بهما على الإرض. أي كل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كالحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الفضاء.