الإحباط، أياً كانت سماته الأخرى، مشهدُ إغراء، شيء يغرينا بالتخلص منه، شيء نتشوق إلى إيجادِ حلولٍ خاطئة له، شيء يغرينا بخداع الذات بصورة أشد تطرفًا. ومن ثم، هناك أطروحتان أود أن أضعهما في الاعتبار:

أولهما، أن المُحبط دائمًا، يرغب في تغيير من يُحبطه (قد يدفعه إلى الجنون، أو إلى الرحيل، أو قد يؤدي به إلى مواجهة الحقائق، لكن التغيير هو الهدف، فالإحباط الخبيث والإحباط الحميد كلاهما تحويلي). والثانية، وهي تَتبعُ هذه، إنه لأمر في غاية الصعوبة أن يشعر المرء بالإحباط، وأن يحدد، ولو تقريبًا، سبب إحباطه. وأهمية ذلك -بالطبع- واضحة ومنطقية. فلولا الإحباط ما كان الإشباع: فالإحباط غير المُدرك، غير المُتَمثَّل، لا يمكن إشباعه أو حتى الاعتراف به، والإدمان دائمًا هو إدمان الإحباط (فالإدمان هو إحباط لم يتخذ شكلاً، إحباط من السهل تمامًا التصدي له). إذن ما العلاقة، أو الصلة، أو الرابطة، أو القرابة بين الإحباط والإشباع؟ وكيف نوفق أو نربط بينهما؟ على سبيل المثال، ربما يكون هناك شيء في الإحباط يجعله يقاوم التمثيل، وكأن إحباطاتنا هي آخر ما نرغب أن نعرف بوجوده على وجه الأرض، وربما نفضل مشاعر الإحباط الزائفة على مشاعر الرضا الحقيقية، أو نتجنب الصلة بين الإحباط والإشباع أو نرفضها. بعبارة أبسط، الإحباط شيء لا يمكننا أن نتجاهله، حتى وإن كان التجاهل أحد محاولاتنا لحله (فإننا نتظاهر ونتباهى في مواجهة إحباطاتنا). إذ يبدو أن حقيقة وجود مشاعر إحباط، تعني ضمنًا، بالطبع، وجود مشاعر رضا، حقيقية أو غير حقيقية. وهذا يعني أن في الإحباط، في الواقع، شيئًا مطمئنًا، فهو يوحي بأمر في المستقبل. ولكن على مسرح كلايست سيكون من المضلِّل اختزالُ الإحباط في قراءتهِ من منظورٍ ميتافيزيقيّ أو إبستمولوجيّ فحسب. فمسألة الإحباط، التي تتوسّط قلب الدراما، تُثير سؤال التأويل، ومعه سؤال مدى إسهام الشيفرات الثقافية والاجتماعية في تشكيل فهم الفرد وإدراكه. لقد خلّف لنا الشاعر المُنتحر ثماني قصص، وستّ مسرحيات، وعددًا كبيرًا من الشذرات والمقالات الفلسفية، تتردّد فيها شخصياتٌ تتاجر بمآسٍ لا تُصدَّق، وتُجسّد مفارقة الظاهر والحقيقة، وقلق الغريب المألوف.

دون أدنى شك، يعد كلايست أحد أكثر الشخصيات إشكالًا وتحدّيًا في تاريخ الأدب الألماني. ففي مسيرةٍ لم تدم سوى أقلّ من عقدٍ واحد، من عام 1802 حتى وفاته المبكّرة عام 1811، أنجز مسرحًا إبداعيًا لافتًا أعاد، على نحوٍ جذري، مساءلة المسلّمات الفكرية والجمالية والأخلاقية السائدة في عصره. لكن كانت شهرته محدودة؛ ويعزو كثير من النقّاد ذلك إلى عرّاب الأدب الألماني غوته، الذي لم يستسغ كتاباتهِ. فقد رأى غوته أن قصص كلايست هدّامة لا تعبّدية؛ إذ تتهاوى فيها الأخلاق والطمأنينة، ويغدو الموت والخراب حاضرين في كل موضع، حتى ليشعر القارئ بأن الكارثة التالية تقفُ على العتبة.. لكن كان كلايست واعيًا بذلك الإحباط المتناثر في مسرحياته وقصصه أشدّ الوعي، فلم يقدّم أوهامًا عن عالم يمكن فيه تلافي الكارثة أو بلوغ معرفة يقينية؛ فذلك محض يوتوبيا، وتلك الأمكنة لا وجود لها.

تتناول كتابات الكاتب المسرحي والمنظّر الألماني هاينريش فون كلايست في جوهرها استكشاف فهمنا للوعي الإنساني وحدوده، وهي حالة تفصلنا في كثير من الأحيان عن العالم المادي، وقد تُغْرِبنا أحيانًا حتى عن أجسادنا نفسها. إن فعلًا يبدو في ظاهره تلقائيًا كفتح العينين عند الاستيقاظ قد يظلّ محاطًا بأسرار الدماغ البشري، إلى درجة قد تُصيب صبيًا صغيرًا بشللٍ من الخوف أمام احتمال أن يتقدّم في العالم وهو أعمى.

وفي مجالات شديدة التباين من النشاط الإنساني، كالقتل وصناعة الفن، نعجز عن استيعاب مفهوم القصد ذاته. وإذ نعجز بالكاد عن تفسير أفعالنا نحن، فإننا نصطدم بصعوبة أكبر في تفسير أفعال الآخرين وفهم دوافعهم.

إلى جانب حديثهم الدائم عن ميثاقه الانتحاري، يحرص جميع النُقاد على التذكير بأنه تعرّض لانهيارٍ نفسيّ حادّ عام 1801؛ وهو ما درج الباحثون على تسميته «أزمة كانط». فقد كان مُنكبًا على قراءة الفيلسوف الألماني كانط، فإذا به على نحوٍ غير مقصود وربما مقصود؛ يقوّض أسس عالمه الخاص.

تَعلم كلايست من كانط أننا عاجزون عن اختراق إدراكنا الحسيّ للعالم للوصول إلى الأشياء كما هي في ذاتها. وقد شبّه ذلك لصديقٍ له بأنّ الجميع يرتدون نظّاراتٍ ملوّنة: عالمنا مُشوَّه، لكننا لا نعرف كيف تشوّه، ولا نعرف كيف يبدو العالم الحقيقي. وهكذا تغدو الحقيقة الموضوعية مستحيلة! هكذا رآها كلايست. الروابط مع الآخرين عابرة، والثقة متعذّرة، وعالمنا ليس إلا سوء فهمٍ يتراكم فوق سوء فهم. لقد حطّم كلُّ ذلك كلايست الإنسان، لكنه صنع منه كلايست الكاتب. وأقرّ بأنّ هذا الأسلوب قد يكون كثيفًا إلى حدٍّ مُربك أحيانًا، وأنّ جمله تحتاج إلى ما يشبه «المنشار» لتفكيكها، لكن من يتجاوز هذه العتبات سيجد في كلايست كاتبًا جديرًا بالقراءة إلى أبعد حد. إنّه شخصية تُقلق إلى أقصى الحدود، وتبدو على نحوٍ لافت معاصرةً لنا.

لنأخذ “عن مسرح الدمى” (1810) مثالًا؛ وهو نصّ حواريّ بالغ الأهمية، يطرح هاينريش فون كلايست أطروحة جذرية مفادها أن الدمى تمتلك نوعًا من النعمة الطبيعية تفوق الإنسان، لأنها خالية من الوعي بالذات ومن ثقل التأمل في الفعل.

يرى كلايست أن النعمة تضيع لحظة دخول الوعي إلى التجربة الإنسانية؛ إذ يصبح الإنسان مدركًا لحركاته، مراقبًا لها، فيفقد عفويتها الأولى وانسيابها الطبيعي، في إشارة رمزية إلى “السقوط” الإنساني من حالة البراءة الأصلية. لكن هذه الفقدان ليس نهائيًا في تصوره. فـالنعمة يمكن أن تُستعاد، لا عبر العودة البسيطة إلى الجهل، ولكن من خلال العبورٍ لما يسميه وعيًا “لامتناهيًا”، أي بلوغ حالة يتجاوز فيها الإدراك ذاته حدوده ويُفنى في كليّة أوسع منه. عندها فقط، يمكن أن يعود الإنسان إلى نوع من البراءة الثانية، ليست ساذجة، لكنها متحققة بعد التجربة والمعرفة.

بهذا المعنى، تصبح الدمية رمزًا لبداية ما قبل الوعي، بينما يصبح الإله رمزًا للنهاية التي تتجاوز الوعي، وكلاهما يلتقيان في نقطة النعمة المطلقة، حيث لا يعود الفعل مثقلًا بمراقبة الذات. في رؤية كلايست، تخضع الدمية المتحركة لقوانين الميكانيكا، فتتجاوز الطابع الأحادي للفردية الإنسانية، وتطيع إرادة محرّكها، مما يجعلها “المؤدّي المثالي”. فهي، بحسبه، تمتاز على الراقص أو الممثل بأنها “لا ترتجف أبدًا”. فكل حركة فيها تمتلك مركز ثقلها الخاص، ولا يحتاج الأمر إلا إلى ضبط هذا المركز داخل الدمية نفسها. وبما أن الروح والحركة في الدمية شيء واحد غير قابل للانفصال، فقد رآها كلايست رمزًا للطبيعة الإنسانية المثالية. فعندما يقول إن الممثل أو الراقص “يرتدي هيئة مصطنعة”، فهو يشير إلى فقدان الوعي الطبيعي بالذات والجسد؛ إذ إن الوعي بالذات هو ما يعرقل الانسياب ويشوّه النقاء.

"نرى في العالم العضوي أنه كلما ازداد انعكاس الوعي خفوتًا وضعفًا، ازدادت النعمة إشراقًا وهيمنة. ولكن كما يتقاطع خطّان على أحد جانبي نقطة، ثم بعد أن يعبرا اللانهاية يلتقيان فجأة من جديد على الجانب الآخر؛ أو كما تعود الصورة في المرآة المقعّرة لتظهر أمامنا بغتةً بعد أن تكون قد ابتعدت إلى مسافة لا نهائية، كذلك تعود النعمة إلى الظهور حين يكون الإدراك، إن صحّ القول، قد اجتاز اللانهاية.. بحيث تتبدّى في أنقى صورها في البُنى الجسدية البشرية التي تفتقر إلى الوعي، أو التي تمتلك وعيًا لامتناهيًا، كما في الدمية المفصلية أو في الإله."

لعل من المفيد، فيما يتعلق بالمسرحيات، أو التراجيديات بصفة عامة، أن نصنف أنواع الإحباط إلى تلك التي تتحول إلى انتقام. «قتل العالم» كما يقول كافيل. وتلك التي لا تتحول إلى انتقام. كان هاينريش انتقامي، رغم أن هذا ليس كل ما يتصف به. هناك إحباط يتحول إلى انتقام، حيث يبدو الانتقام حلاً بصورة ما، وإحباط يتحول إلى نوع مختلف من التفسير، ولكن كيف جسد هاينريش انتقامه من العالم؟ إن الحاجة لا يمكن أن تكون إلا حاجات غير واقعية، لكن هذه الحاجة غير الواقعية لا يمكن إشباعها إلا إشباعًا حقيقيًا، وكل شيء عدا ذلك يكون إحباطًا متكررًا، في صورة غضب ونزعة انتقامية، وما يسميه كافيل قتل العالم. بعبارة أخرى، نحن نحتاج إلى معرفة شيء عما لا يُدرَك، وعن ما يحدث بسبب عدم إدراكه، لذلك، يُعتبر كلايست كمثال كلاسيكي على الإحباط الوجودي الذي لا يتحول إلى انتقام خارجي لكن إلى تدمير ذاتي. بدلاً من «قتل العالم» اختار «الخروج» منه بهدوء و«نشوة». كان انتحاره هو الرفض النهائي لعالم يراه غير قابل للفهم النهائي أو الإشباع الحقيقي.

شجرة البلوط المحتضرة ستصمد أكثر من العاصفة. أما أشدّ أشجار البلوط صلابةً، فسوف تسقط أرضًا، مقتلَعةً من جذورها بفعل العاصفة.
ولماذا؟ لأنّ أغصانها هي التي تصطاد الريح.

— هاينريش فون كلايست

ختامًا، ومع أنّ في داخلي نزعةً أن أحتكر بهجة هاينريش ولمعانه لنفسي، فإنني أجدني أكتب على أي حال، وكأن الكتابة نفسها تقودني إلى الإحباط، وإلى تلك السلاسل المتتابعة من الإخفاق التي يتشكّل منها كلّ ما هو فلسفي وفنّي.

النقطة التي أودّ بيانها -على قربها من النزعة الصوفية- هي أنّ الأفكار والسلوكيات التي يبتكرها هاينريش في نصوصه قد تكون أشبه ببُنى كيميائية في «ماءٍ كلايستي». لكنّني أريد أيضًا، وبشيءٍ من الإلحاح، أن أؤكّد أهمية الإحباط، لا بمعناه الشائع الذي يجعله مجرّد فرصةٍ للمحاولة من جديد. فالتصوّر التقليدي للإحباط بوصفه مساحة لإعادة اللعب يفترض ضمنًا أنّ النجاح خيارٌ متاح داخل عمرٍ واحد. أمّا الإحباط، في نظري، فهو إمكانيةُ نجاحٍ تتجاوز حدود وعيٍ واحد، إلى ما وراء حدود التجربة الشخصية.

«ماذا يهمك أن يدركها غيرك ، أو يفهموا معناها ، أو يرقوا بها؟
فما الذي يرقوا من أجله؟ الموت؟ فلمَ العجلة؟»